كلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في المنتدى الاقتصادي العالمي حول الشرق الأوسط
|
19 مايو 2007
كلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في المنتدى الاقتصادي العالمي حول الشرق الأوسط
جلالة الأخ الملك عبدالله الثاني ملك الأردن
البروفيسور كلاوس شواب
السيدات والسادة،
أنا سعيد لوجودي بينكم للمرة الثانية في منتدى البحر الميت، فقد تركت مشاركتي في منتدى العام 2004 أثراً طيباً في نفسي، ومن ذلك الوقت أتابع بتقدير وإعجاب مسيرة التطور والتقدم في الأردن العزيز.
قلت هنا قبل ثلاث سنوات، وأكرر اليوم مؤكداً أن تحقيق التنمية الشاملة هو التحدي الأكبر لمنطقتنا وشعوبنا... ومن دون السير في طريق التنمية الشاملة، فإن أي إنجاز يتحقق في هذا القطاع أو ذلك النشاط هو نجاح مؤقت. وفي السنوات الأخيرة تخوض دول المنطقة سباق التنمية بأولويات متباينة حسب ظروف كل بلد، وتقارب ميادين الإصلاح الاقتصادي والتعليمي والسياسي والإداري، فتحقق نتائج إيجابية في بعض المجالات، ونتائج متواضعة في مجالات أخرى...
وكان من نتائج هذا الحراك تحقيق نمو اقتصادي مرتفع في معظم دول المنطقة، وهذا إنجاز طيب ومهم، لكنه وحده لا يكفي، فمعظم العناصر الضرورية لإدامة التنمية ما زالت تراوح مكانها، أو تتراجع، أو تحقق نمواً متواضعاً. وهذا ربما يفسر ما تشهده المنطقة من أوضاع مقلقة لحالات لم يترافق فيها النمو مع إنفراجات اجتماعية وسياسية، ولم يؤد إلى انحسار في ظواهر العنف والتطرف والتعصّب... ولم تصل عوائد التنمية بشكل عادل إلى كافة الناس، مما يهدد بتوزع بعض المجتمعات إلى قلة تملك، وكثرة تعاني الأمرّين في توفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.
السيدات والسادة،
يعّلمنا التاريخ أن صعود الحضارات وازدهار الأمم والشعوب يرتبط بسياق من التجديد والتطوير والتغيير ينطوي على إصلاحات اقتصادية وسياسية وتعليمية وإدارية وفكرية. ولا يمكن التقدم في هذا السياق إلا بتوفير البنية المناسبة للإبداع والابتكار... إبداع الإنسان وتجليات ثمرات عقله في إيجاد الحلول المناسبة للمشاكل والتحديات التي تواجه مسيرة التنمية ومسار التطوّر..... حدث هذا مع الحضارة العربية والإسلامية، وحدث كذلك مع كافة الحضارات المعروفة منذ فجر التاريخ.
في القرن الخامس عشر كانت الفجوة الحضارية بين الأوروبيين والعرب واسعة جداً لمصلحة العرب. وكان النظام التجاري الدولي نظاما عربياً، وفي نهاية ذلك القرن كان الابتكار الأوروبي لسفينة شراعية قادرة على عبور المحيطات، بداية للسيطرة الأوروبية على التجارة الدولية والبحار العميقة.
وعلى الرغم من أن العرب ظلوا شركاء في التجارة الدولية حتى القرن الثامن عشر، إلا أن دورهم كان يتراجع بسرعة، لأن ولاة أمورهم وعلماءها وتجارها لم ينتبهوا إلى أن التوسع والنمو التجاري الأوروبي ترافق مع نهضة فكرية وتعليمية، وابتكارات علمية وإدارية وتنظيمية، وإصلاحات سياسية وتشريعية، انطلقت شرارتها بانفتاحهم على الحضارة العربية ودراسة واستيعاب أعمال ابن رشد وفلسفته والفارابي وابن سينا ومعجزة الطب المسماة كتاب القانون الذي ظل يدرس في الجامعات الأوروبية لمدة ستة قرون، وما تركه الزهراوي والخوارزمي والرازي وابن حيان وغيرهم من العلماء والباحثين العرب الذين أعطوا الحضارة الغربية وقود الانطلاق الحضاري دون تعصب أو تميز.
إن الماضي الذي نتحدث عنه يعطينا الدروس والعبر للمستقبل... والمهم هو أن نطبق هذه العبر والدروس بطريقة تستلهم الواقع وتستوعب العصر، فالماضي قد مضى بخيره وشره، وإيجابياته وسلبياته، ونجاحاته وانكساراته... ولا نستطيع أن نغير فيه شيئا سوى أخذ العبرة ، ولكننا نستطيع بكل ثقة واقتدار أن نصنع مستقبلنا ونتحكم فيه. فأمر المستقبل بأيدينا وعلينا أن نصنعه بالتفاعل مع عصرنا والانفتاح على ثقافته وقيمه ومنجزاته... والأمر عائدٌ لنا وحدنا في أن نحقق التقدم أو نقبع في مكاننا ننتظر ما لا يجيء ونتغنى بأمجادنا ونلوم الآخرين ونلقي عليهم أسباب عللنا ومشاكلنا.
بيننا وبين العالم المتقدم في الغرب وفي آسيا فجوة معرفية واسعة. وخيارنا الوحيد الذي لا بديل عنه هو أن نعبر هذه الفجوة بأسرع ما يمكن، فالمعرفة ترسم ملامح عصرنا، وتحدد مراكز دوله من حيث القوة والضعف، والتقدم والتخلف، والفاعلية والجمود، والثراء والفقر، والقدرة على اغتنام الفرص أو إهدارها....
علينا أن نثبت خطأ الذين يقولون أن العرب لا يضيعون الفرصة لتفويت الفرص. يجب أن نغتنم الفرص، ونتشبث بها ونحوٍلها إلى إنجازات كبرى.
وبالنسبة للمعرفة، فإن التحدي الذي تواجهه المنطقة لا يقتصر على النقص في المعرفة ذاتها، بل يتعداه إلى قصور أخطر في توفير بيئة المعرفة وإعداد أهل المعرفة... فالأمية ما زالت تفتك بمجتمعات المنطقة وتحدّ من نموها وتقدمها. ومن المحزن أن نسبة الأمية في دول المنطقة ما زالت تتراوح بين عشرين بالمائة وأربعين بالمائة، والأخطر أنها تبلغ ثمانية عشر في المائة للفئة العمرية تحت خمس عشرة سنة، وتبلغ ثلاثة وأربعين بالمائة بين الإناث.
هذا عن الكم، أما عن الكيف... فالواقع أن مستوى التعليم العام والجامعي لا يسر... ومستوى الإنتاج الفكري والعلمي الأصيل أو المترجم هو بين أقل المستويات في العالم، فعدد الكتب الأدبية والفكرية الصادرة في البلدان العربية، حسب تقارير التنمية الإنسانية يمثل ثمانية أعشار بالمائة من الإنتاج العالمي، وهو أقل مما تنتجه تركيا. ومقابل مائة ألف كتاب في أمريكا الشمالية، واثنين وأربعين ألف كتاب في أمريكا الجنوبية يصدر ستة آلاف وخمسمائة كتاب في المنطقة ...
والعالم العربي حسب التقارير نفسها ترجم منذ عصر المأمون وبيت الحكمة في القرن الثامن الميلادي وحتى العام 2002 نحو مائة ألف كتاب، أما حسب مؤتمر عقد في الأردن الشهر الماضي، فالعدد عشرة آلاف كتاب، وهو يوازي ما تترجمه اسبانيا سنويا.
أما الإنفاق على البحث العلمي فلا يتجاوز اثنين من مائة بالمائة، بينما تتراوح هذه النسب في الدولة المتقدمة من اثنين ونصف إلى خمسة بالمائة. وفي العالم العربي ثلاثة وثلاثة أعشار باحث لكل عشرة آلاف فرد من القوى العاملة، مقابل مائة وعشرة باحثين في الدول المتقدمة.
ولو ألقينا نظرة على نسبة البطالة وأوضاع سوق العمل فسوف تصدمنا الأرقام فنسبة البطالة في المنطقة تبلغ حوالي أربعة عشر بالمائة. ومنطقتنا تحتاج في هذه اللحظة إلى 15 مليون فرصة عمل، وعالمنا العربي يحتاج خلال السنوات العشرين المقبلة مابين أربعة وسبعين وخمسة وثمانين مليون فرصة عمل. ونحتاج إلى تحسين بنية الأعمال لنتمكن من خلق الوظائف، فمتوسط موقع دول المنطقة في سهولة إجراءات بدء الأعمال الجديدة هو المرتبة المائة وسبعة بين مائة وسبعين دولة.
إن الوضع الذي أستعرضه معكم يجب أن لا يستمر... ولا يجوز أن نكتفي كل سنة بقراءة مؤشرات التنمية الدولية والتحسر على حال المنطقة وترتيبها على المستوى الدولي. إنه لتقصير ما بعده تقصير، أن نعرف أسباب التأخر ومخاطره ولا نتحرك لمواجهتها.
علينا أن نعمل بسرعة وجدية وإخلاص وشجاعة لإنهاء أسباب تأخر المنطقة عن عالمها وعصرها. أدعو الحكومات ورجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني والمثقفين وأساتذة الجامعات والأثرياء ليتقدموا ويتحمّلوا مسؤولياتهم. وأشدد على دور علماء الدين الذين قال عنهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إنهم ورثة الأنبياء لتعريف أبنائنا بمدى سماحة الإسلام وعظمته وقبوله للفكر والحوار الفكري.
أخي جلالة الملك، الحضور الكرام،
يسعدني ويشرفني أن أعلن اليوم عن مبادرة شخصية مني تستهدف الإسهام في بناء مجتمع المعرفة في منطقتنا، وذلك بتقديم الدعم للعقول والقدرات الشابة، والتركيز على العطاء للبحث العلمي والتعليم، والاستثمار في البنية الأساسية للمعرفة، والسعي لتوفير فرص متساوية لأبناء المنطقة في التقدم والحياة الكريمة.
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، قررت إنشاء " مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم " لتعمل في مجال التنمية الإنسانية.... وقررت تخصيص وقف لتمويل مشاريعها بمبلغ 10 مليارات دولار.
ستقوم المؤسسة بتصميم وإدارة برامج لبناء قاعدة معرفية بمستويات عالمية... وسيكون من أولوياتها إنشاء صندوق لدعم الأبحاث والترجمة وتنفيذ برامج لإعداد أجيال مؤهلة من القيادات في الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني... وستوفر المؤسسة بعثات للدراسات العليا في أعرق المعاهد والجامعات بدءاً من العام المقبل.
كما ستقدم بعثات للكتـّّاب ومنحا للأبحاث ولإنشاء مراكز بحثية في جامعات المنطقة، وتستهدف برامج المؤسسة أيضاً إعادة الاعتبار للفكر والمفكرين عن طريق الدعم والنشر والجوائز والإعلام، وتحفيز وتشجيع جهود إيجاد الحلول لتحديات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، عن طريق تشجيع الإبداع والابتكار، وبناء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتوفير منصة لصنّاع القرار في كافة القِطاعات للتواصل والحوار وتبادل الخبرات لتسريع تحقيق الحكم الرشيد وتحفيز بناء الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص وتحفيز خلق وظائف جديدة.
السيدات والسادة
الأمم الحيّة لا تيأس ولا تهرب من التحديات.
ونحن أمة حية لم تيأس في الماضي ولن تيأس في المستقبل، فلا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس. فالإنسان العربي جدير بالتقدم وقادر على تحقيقه. أعرف مشاعر الإحباط الناجمة عن الإخفاقات السياسية والاقتصادية في عالمنا العربي، وأعرف حجم الاستهدافات التي تتعرّض لها منطقتنا، لكن هذه الاستهدافات يجب أن تكون حافزاً للجد والاجتهاد والإبداع والإصرار على النجاح في التنمية وفي إدارة الأولويات.... يجب أن نتحرر من الإحباط واليأس، وأن نتسلح بالتفاؤل والأمل....
عالمنا العربي زاخر بالإمكانيات والفرص، وليس بالنواقص والمشاكل والهزائم فقط... وتراثنا زاخر بعناصر التحفيز على العطاء والإبداع والابتكار، ولدينا الوعي والرؤية، ولدينا الإرادة، ولدينا إنجازات تنموية مهمة، توفر متطلبات الانطلاق للمستقبل، ولدينا مجتمع عربي شاب أكثر من نصفه تحت سن العشرين.
بيدنا أن نمنح هذا الشباب السعادة والأمل... وبيدنا أن ندفعه إلى المجهول... بيدنا أن نجعل من هذا الشباب رصيداً... وبيدنا أن نجعله عبئاً... ولكن واجبنا أن نجعل منه رصيداً لنفسه ومجتمعه وأمته وعالمه .... هذه مسؤولية الحكومات والمجتمعات، وأولها أن نمكن الإنسان من مساعدة نفسه وتحفيزه على الإنتاج والابتكار.
لم يعد العالم العربي اليوم مكانا فسيحا للأوهام وأحلام اليقظة، ووعود الخطابات والشعارات التي تبتز العواطف وتحرك الغرائز فتقلق العقول والقلوب
الإنسان العربي قد يعجبه القول وقد تطربه البلاغة، لكنه اليوم يقيس على النتائج ويريد أن يلمس بيده الأشياء ويرى فوائدها في وطنه وبين أفراد أسرته. لم يعد ممكنا أن تظل المنطقة حقلا للتجارب، ومرتعا للمغامرات واستيراد النماذج الجاهزة من خارج المكان أو خارج الزمان ومحاولة فرضها على أرض الواقع بالقوة.
كل النماذج الجاهزة والمستوردة سواء تم اقتباسها عن حسن نية، أو جرت محاولات فرضها بالإكراه، أو بالضغوط أو بالقوة العسكرية، أصطحبت معها الفوضى والارتباك والضعف ومنعت تراكم الإيجابيات وعطلت الإصلاح وكسرت النمو الطبيعي للفكر والمجتمع والسياسة والاقتصاد وانتهت إلى الفشل الذريع. يجب أن نبني نموذجنا المنطلق من واقعنا وثقافتنا وقيمنا والمنسجم مع معايير عصرنا والمنفتح عليه والقادر على المخاطبة بلغة يفهمها، والتفاعل مع العطاء والإنجازات، ومنطق الشراكة في مستقبل ومصير الكون.
في انطلاقتنا نحو المستقبل لا مكان لدينا للخطوط الحمر فكل ما نراه هو أزرق السماء أو أزرق البحر، إنه لون الطموح الذي يألفنا ونألفه،
الأخوة والأخوات
يشق أخوانكم وأخواتكم في دولة الإمارات طريقهم لتحقيق أعلى المستويات الدولية، في التعليم والخدمات الصحية والتنشئة الإجتماعية، والأداء الحكومي والشراكة مع القطاع الخاص، وبنية الإبتكار والإبداع والتميز.
وكما عهدتم دولة الإمارات فكل إنجازاتها هي للعرب جميعا، وكل تجاربنا وخبراتنا هي بتصرف إخواننا في كافة دول المنطقة، إن دولة الإمارات وهي تقدم لأشقائها نموذجا على إمكانية النهوض، وإرادة التقدم، لن ترتاح إلا بتحقيق النهضة الحضارية في كل أرجاء المنطقة... وهذا ما تتوخاه مؤسستنا الجديدة للإسهام في النهضة المرجوة.
أشكركم وأرجو لكم التوفيق والنجاح